الشيخ محمد هادي معرفة
31
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
ولقوله تعالى : « حُوباً كَبِيراً » « 1 » وقوله : « وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ » . « 2 » انظر إلى هذا التضارب في الآراء والاختيارات ، وكيف يتدخّل مثل أبي محمد في ترجيح إحدى القراءتين على الأُخرى ، لحجج وتعاليل - أيضا - يعتمدها . ومن ثمّ فإنّ القائل بتواتر القراءات عن النبيّ صلى الله عليه وآله يضرب على غير وتره . أضف إلى ذلك قراءات بعض السلف كانت محض اجتهاد شخصيّ حتى ولو كانت مخالفة للمشهور المأثور ! هذا سعد بن أبي وقّاص كان يقرأ « مَانَنْسَخُ مِنْ آيةٍ أَوْ نَنْساها » . « 3 » وفي رواية « أَو نَنْسَأَها » ! فقيل له : إنّ سعيد بن المسيَّب قرأها : « أَوْ نُنْسِها » - كما هي المشهورة ؟ فقال لم ينزل القرآن على المسيَّب ولا على ابنه ، إنّما هي : « مَا نَنْسَخُ من آية أو ننساها يا محمد » . وتمثّل بقوله تعالى « سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ » . « 4 » وقوله « وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ » . « 5 » إن هذا إلّا تزمّت غريب دون قراءة المشهور ؟ ! والغريب : أنّ كتب القراءات ربّما يذكرون إحدى الحروف ، من غير أن ينسبوه إلى قارئ مشهور أو غير مشهور ، ويعلّلون بأنّه إجازة فلان النحويّ مثلًا . قال محمد بن أبي نصر الكرماني : وأجاز الزجّاج : « مِن تَفاؤُتٍ » « 6 » مهموز وهكذا قال في قوله تعالى : « كُفُواً أَحَدٌ » أجاز الزجّاج : « كُفُئا » بالهمز « 7 » وهل تصلح إجازة نحويّ لاختيار قراءة القرآن ؟ ! الأمر الذي يُنبؤك على أنّ اعتبارهم « التواتر » في القراءة كلام تشريفيّ ظاهريّ ، لم يعبأ به السلفُ والخلفُ عمليّا إطلاقا . وأجدني في غنى عن سرد شواهد أكثر ، حيث وفرة الكتب المصنّفة في توجيه القراءات وذكر عللها وحججها ، هي في متناول الجميع .
--> ( 1 ) - النساء 2 : 4 . ( 2 ) - البقرة 217 : 2 ؛ راجع : الكشف ، ج 1 ، ص 291 - 292 . ( 3 ) - البقرة 106 : 2 . ( 4 ) - الأعلى 6 : 87 - 7 . ( 5 ) - الكهف 24 : 18 ؛ راجع : المصاحف ، ص 96 ؛ وجامع البيان ، ج 1 ، ص 379 ؛ والدرّ المنثور ، ج 1 ، ص 104 - 105 . ( 6 ) - الملك 3 : 67 . ( 7 ) - شواذ القراءات واختلاف المصاحف ، ص 246 و 273 .